عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

470

اللباب في علوم الكتاب

فصل : [ في دلالة الآية على أن الأمر للوجوب لأن تارك المأمور مخالف للأمر ومخالف الأمر يستحق العقاب ] الآية تدل على أن الأمر للوجوب ، لأن تارك المأمور مخالف للأمر ، ومخالف الأمر يستحق العقاب ، ولا معنى للوجوب إلا ذلك « 1 » . قوله تعالى : « أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » أي : ملكا وعبيدا ، وهذا تنبيه على كمال قدرته تعالى عليهما ، وعلى ما بينهما وفيهما « 2 » . قوله : « قد يعلم ما أنتم عليه » . قال الزمخشري « 3 » : أدخل « قد » ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق ، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد ، وذلك أن « قد » إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى « ربّما » فوافقت « ربما » في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله : 3858 - فإن يمسي مهجور الفناء فربّما * أقام به بعد الوفود وفود « 4 » ونحو من ذلك قول زهير : 3859 - أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنّه قد يهلك المال نائله « 5 » قال أبو حيان : وكون « قد » إذا دخلت على المضارع أفادت التكثير قول لبعض النحاة « 6 » ، وليس بصحيح ، وإنما التكثير مفهوم من السياق . والصحيح أن ربّ لتقليل

--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 24 / 40 . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 24 / 42 - 43 . ( 3 ) الكشاف 3 / 87 . ( 4 ) البيت من بحر الطويل ، قاله أبو عطاء السّندي ، من أبيات أربعة يرثي بها يزيد بن هبيرة الفزاري . وهو في المقتصد ( 829 ) ، اللسان ( عهد ) والبحر المحيط 6 / 477 ، الخزانة 9 / 539 ، وشرح شواهد الكشاف ( 35 ) . الفناء : بكسر الفاء والمد : ساحة الدار . الوفود : الزوار وطلاب الحاجات والشاهد فيه أن ( ربما ) فيه للتكثير . ( 5 ) البيت من بحر الطويل ، قاله زهير ، والشاهد فيه دخول قد على الفعل المضارع لإفادة التوكيد . وقد تقدم . ( 6 ) نسبه ابن هشام إلى سيبويه في المغني 1 / 174 ، مع أن عبارة سيبويه ليست صريحة في ذلك فإنه قال : ( وتكون قد بمنزلة ربما . وقال الشاعر الهذلي : قد أترك القرن مصفرّا أنامله كأن أثوابه مجّت بفرصاد كأنه قال : ربما ) الكتاب 4 / 224 . وصرح الرضي بإفادتها للتكثير فقال : ( وتستعمل أيضا للتكثير في موضع التمدح كما ذكرنا في ربما قال تعالى : « قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ » [ الأحزاب : 33 ] ، وقال : قد أترك القرن مصفرا أنامله ) شرح الكافية 2 / 388 . وفي الخزانة : ( قال ابن مالك : إطلاق سيبويه القول بأنها بمنزلة ربما موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضي . واعترضه أبو حيان فقال : لم يبين سيبويه الجهة التي فيها قد بمنزلة ربما ، ولا يدل على التسوية في كل الأحكام ، بل يستدلّ بكلام سيبويه على نقيض ما فهمه ابن مالك ، وهو أن قد بمنزلة ربّما في التكثير فقط ، ويدل عليه إنشاء البيت لأن الإنسان لا يفخر بما يقع منه على سبيل الندرة والقلة ، وإنما يفتخر بما يقع منه على سبيل الكثرة ، فيكون قد بمنزلة ربّما في التكثير ) 11 / 255 .